«وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»

«المليارديرات لا يدفعون ضريبة على الدخل، وسنضع حدا لذلك»




من المقرر صدور هذا الكتاب المثير للجدل عن دار سوى الفرنسية، إحدى أعرق دور النشر في فرنسا، بتاريخ 24 أكتوبر 2025.

مؤلف هذا الكتاب هو الفرنسي جابرييل زوكمان Gabriel Zucman أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا – بيركلي (California, Berkeley). يعدّ زوكمان من أبرز المتخصصين في قضايا الثروات والعدالة الضريبية على مستوى العالم، حيث تتركّز أبحاثه حول تراكم الثروات وطرائق توزيعها والمحافظة عليها، وهو مؤلف كتاب «الثروة الخفية للأمم، تحقيق حول الملاذات الضريبية» المترجَم إلى 17 لغة. حصل على الدكتوراه من كلية الاقتصاد في باريس (2013)، ونال جائزة أفضل أطروحة من الجمعية الفرنسية للعلوم الاقتصادية (AFSE) في 2014، وجائزة التميّز في الاقتصاد الدولي من معهد كيل (Kiel Institute) في 2017.

يذكر المؤلف أنه في السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل في فرنسا حول عدالة النظام الضريبي بين مختلف الطبقات الاجتماعية، وكان محور هذا الجدل ملف المليارديرات من الفرنسيين الذين تمكنوا ويتمكّنون باستمرار، عبر آليات معقدة وواجهات مالية غامضة، من دفع ضريبة على الدخل ضعيفة جدا، أو حتى الإفلات منها تماما. هذا الوضع، الذي يصفه جابرييل زوكمان بالكارثي، يعيد إلى الواجهة سؤالا أساسيا: هل ما زال مبدأ المساواة أمام الضريبة، المنصوص عليه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 بفرنسا، قائما بالفعل؟

يرى جابرييل زوكمان أن الجدل لا يقتصر على الأرقام. فالمسألة تحمل بعدا سياسيا كبيرا. فحين يُدرك المواطن الفرنسي العادي أن ما يدفعه من ضرائب أعلى من مما يدفعه الملياردير، يتولد شعور بعدم العدالة، الأمر الذي يقوّض الثقة في الدولة الفرنسية. ولهذا يؤكد مؤيدو فرض ضريبة الــ 2% أن الهدف لا يقتصر على تعزيز الموارد المالية للدولة، بل يتعداه إلى تكريس مبدأ المساواة أمام القانون.

وفقا لكتاب «المليارديرات لا يدفعون ضريبة على الدخل...» فان الآلية الأبرز التي يستخدمها أصحاب الثروات الضخمة هي الشركات القابضة (Holding Company) ، فعلى عكس جميع الفرنسيين الذين يدفعون ضرائب على رواتبهم أو معاشاتهم أو أعمالهم الخاصة، يتلقى أصحاب المليارديرات الجزء الأكبر من دخولهم على شكل أرباح تُحوَّل عبر هذه الشركات القابضة. ونتيجة لهذا الآلية المالية الملتوية، لا تخضع هذه الأرباح للضريبة نهائيا، الأمر الذي يؤدي عمليا إلى إعفاء أصحاب المليارديرات شبه الكامل من ضريبة الدخل.

لا يُعد هذا التهرب الضريبي مسألة تقنية فقط، بل يمثل، بحسب جابرييل زوكمان، خرقا لمبدأ العدالة الضريبية. فالطبقات الاجتماعي على اختلاف مستويات الدخل تتحمل العبء الأكبر من الضرائب المباشرة وغير المباشرة المفروضة عليهم، بينما يجد أصحاب المليارات منافذ قانونية تتيح لهم التخفيف أو التهرب من الضرائب. أمام هذا الواقع، يقترح جابرييل زوكمان فرض ضريبة دنيا بنسبة 2% على أصحاب الثروات الهائلة. الهدف من هذه الضريبة ليس فقط زيادة الإيرادات، بل أيضا إغلاق ثغرات التهرب الضريبي وضمان حد أدنى من العدالة.

يشير جابرييل زوكمان الى أن الأرقام تكشف حجم التحوّل في العقود الأخيرة: ففي 1996، كانت ممتلكات 500 شخص الأكثر ثراء في فرنسا لا تتجاوز 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فقد قفزت إلى 42%. كما ارتفعت قيمتها من 200 مليار يورو سنة 2010 إلى نحو 1,200 مليار يورو حاليا. ووفقا لهذه المعطيات، فإن فرض ضريبة بنسبة 2% قد يدرّ حوالي 20 مليار يورو سنويا، وهو مبلغ هائل من شأنه أن يمكّن الدولة من تمويل سياسات اجتماعية كبرى أو إطلاق استثمارات عامة استراتيجية تعزز الاقتصاد الفرنسي.

أما بالنسبة إلى ما يُسمّى بفزّاعة الهجرة الضريبية، فيوضح مؤلف كتاب «المليارديرات لا يدفعون ضريبة على الدخل...» أن هذه الحجة التقليدية التي يكررها معارضو فرض ضريبة إضافية، تقوم على فكرة أن الأثرياء سيغادرون البلاد وينقلون ثرواتهم أو مقار إقامتهم إلى الخارج، مما قد يؤدي الى خسارة استثمارات وفرص عمل. وغالبا ما يُستشهد في هذا السياق بمدينة ميلانو الإيطالية التي تُقدَّم اليوم كوجهة مفضلة لبعض الأثرياء الفرنسيين.

لكن جابرييل زوكمان يؤكد على أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن أثر هذه الظاهرة محدود ويقترح تطبيق ما يُسمى بالدرع المضاد للهجرة الضريبية، بحيث يُلزم الأثرياء الذين تتجاوز ثرواتهم 100 مليون يورو بمواصلة دفع الضريبة لعدة سنوات حتى في حال انتقالهم إلى الخارج، اذ أن هذا المبدأ مطبّق أصلا في الولايات المتحدة الأمريكية التي تفرض الضريبة مدى الحياة على مواطنيها الأثرياء، في بعض الأحيان، بغض النظر عن مكان إقامتهم.

يشير المؤلف الى أنه من بين أهم الانتقادات الموجهة للنظام الضريبي الحالي في فرنسا، أن نسبة الضريبة الفعلية تنخفض كلما ارتفع مستوى الثروة. الدليل على ذلك تلك الدراسة التي قدمها معهد السياسات العامة (IPP) والتي ثبت من خلالها أنه عند إضافة أرباح الشركات إلى الدخل الخاضع للضريبة، يتراجع معدل الضريبة الاجمالية لدى الأكثر ثراء: فمثلا، يبلغ هذا المعدل 46٪ لدى فئة الـ 0,1٪ الأكثر ثراءً، ويتراجع الى 38,7٪ لدى فئة الـ 0,01٪، ثم إلى 29,6٪ لدى فئة الــ0,001٪، في حين لا يتجاوز معدل الضريبة الاجمالية 26٪ فقط لدى فئة الــ0,0002٪، الذين يطلق عليهم المعهد السياسات العامة (IPP) وصف المليارديرات الكبار.

ومع ذلك، يبقى النظام الضريبي في فرنسا، وفقا لمؤلف كتاب «المليارديرات لا يدفعون ضريبة على الدخل...» من بين أكثر الأنظمة شفافية على مستوى العالم. فقد أظهرت دراسة صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (Insee) أن 57% من الفرنسيين يستفيدون من الدولة أكثر مما يدفعون لها، أي أنهم يحصلون –من خلال الإعانات والخدمات العامة– على عوائد تفوق ما يساهمون به من ضرائب. وترتفع هذه النسبة إلى 85% لدى الفئات ذات الدخل المحدود، في حين تنخفض إلى 13% فقط بين شريحة الـ ـ5% الأكثر ثراء.وبالتالي، يمكن القول إن فرنسا ما زالت تمتلك نظاما يحدّ من التفاوت الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يسمح بوجود استثناءات غير مبررة لصالح المليارديرات الكبار.

الجدير بالذكر أن المدافع الأبرز عن مقترح فرض ضريبة الــ 2% ، مؤلف كتابنا هذا السيد جابرييل زوكمان، قد أثار بدوره جدلا كبيرا حول وضعيته الضريبية هو بذاته. فبصفته مزدوج الجنسية (فرنسي-أمريكي) ومقيما في كاليفورنيا، فانه يدفع جزءا من ضرائبه في الولايات المتحدة حيث يبلغ متوسط ما يدفعه أقل بنحو الثلث من مثيله في فرنسا. بعض منتقديه وصفوه بالمنافق، لكن آخرين يرون أن هذا لا ينتقص من قوة حججه، إذ إن المسألة لا تتعلق بخياراته الفردية بل بضرورة إصلاح بنيوي للنظام الضريبي الفرنسي.

ختاما: يبدو مؤكدا أن النظام الضريبي الفرنسي الحالي يعاني من ثغرات حقيقية تسمح للمليارديرات الكبار بالتهرب من الضرائب في وقت يتحمل فيه المواطنون العاديون العبء الأكبر. وهنا يحق لكاتب هذا المقال أن يطرح السؤال التالي: كيف يمكن لفرنسا، وهي العضو الأبرز في الاتحاد الأوروبي، أن توازن بين الحفاظ على جذب استثمارات هؤلاء المليارديرات الكبار من جهة، وضمان العدالة الضريبية والالتزام بالمبدأ الجمهوري للمساواة من جهة أخرى؟

Créez votre site web gratuitement ! Ce site internet a été réalisé avec Webnode. Créez le votre gratuitement aujourd'hui ! Commencer