أين تذهب أموال الفقراء أوهام سياسية وحقائق اجتماعية (2)
نقدم للقارئ ترجمتنا العربية لحوالي 2000 كلمة من هذا الكتاب
ماذا عن المال المدفوع للفقراء؟
يا لها من فكرة غريبة...
ها هي ساعة الذروة، يدخل رجل، أحيانا امرأة، عربة المترو، يتحدث بشكل مقتضب، يكرر نفس العبارات التي بدت متداولة على الألسنة، يسرد قائمة بالأزمات التي حلّت مؤخرا: فقْد وظيفة، فراق مؤلم، وفاة لأحد أفراد الأسرة، حرب خارجية يعقبها إقامة في المنفي... في بعض الأحيان يذكر عمره وأطفاله وضرورة أن يظل نظيفا ومحترما، أو يذكر استعداده للعمل المؤقت الى أن تتاح له فرصة وظيفية، أي وظيفة. في أغلب الأحيان، ينتهي الكلام بطلب بسيط: بعض المال أو كوبون مطعم أو أي شيء يصلح للأكل. دائما نفس العبارات المتداولة وباسمرار نفس أسلوب العرض. أصبح هذا المشهد مألوفا لنا لدرجة أننا لم نعد نهتم به كثيرا.
توجد تفاصيل، لا تعني أي شيء تقريبا، لكنها تجذب انتباهنا. أحيانا يتعلق الأمر بقطعة ملابس نظيفة للغاية أو أحذية تبدو كأنها جديدة أو حقيبة رياضية آخر صيحة. وأحيانا يتعلق الأمر بهاتف ذكي يتراءى لنا أنه في يد أو جيب من يتسول رجلا كان أم امرأة، وقد يتعلق الأمر أيضا بسماعات أذن نراها تتدلى حول رقبته أو تغطي أذنيه. وغالبا ما تكون معه علبة السجائر أو قنينة بيرة أو زجاجة كحول. لماذا يتسول الأشخاص الذين يمتلكون كل هذه الأشياء؟ تتصاعد الشكوك حتى تصل الى أكثر الناس سخاء: أحقا يحتاج هذا المتسول للمال؟ نتساءل. أيستطيع أن ينفق باعتدال المال الذي نعطيه له؟ فجأة، يبدو أن فاعل خير داخل عربة المترو غير قادر على اتخاذ قراره... ان المتسول لا يريد سوى المال، المال الذي يكسبه فاعل الخير بعرق جبينه، بما أن هذه الأخير يشجع على ارتكاب الأفعال المشينة وعلى الكسل على حساب العمل والحياة الكريمة. اذن عليه أن يقدِّر ويقيم ويحكم: أهذا الكلام حقيقي؟ أحقا هذا الرجل المسكين فقيرا؟ بدأ فاعل الخير يصرخ في أعماق نفسه: "لو أن هؤلاء الناس يعرفون ماذا يفعلون بأموالهم، لما كانوا هنا!"
يوجد مِن بين المتسولين مَن يفضلون الحديث بصراحة: "أحتاج إلى بعض المال لأشتري كمية من الكحول." يمكن صياغة هذه العبارة بطريقة ساخرة، لكن أيضا يمكن أن تقال بمنتهى الجدية. "أنا مدمن مخدرات، أحتاج منك أن تدفع لي ثمن جرعتي، لا يوجد إلا باريس التي أستطيع أن أجد فيها جرعتي": هذا ما قاله الفتى الصغير، الذي تجاوز بالكاد سن المراهقة، للراكب الذي يجلس الى جواري في المترو الذي حثه على مغادرة العاصمة باريس للتجنب حالة الفقر. أما أنا، فقد أعطيته للتو قطعة معدنية واحدة. فهل ارتكبتُ خطأ بإعطاء هذه القروش المعدودة لشخص كان من الواضح أنه سيستخدمها لشراء منتج خطير وغير قانوني؟ ليس لدي إجابة على هذا السؤال.
مسرح صغير عن البؤس
أين تذهب أموال الفقراء؟ هذا موضوع يزيد من حدة القلق والغضب، لكن الأمر لا يستدعي الى حد بعيد طرح سؤال أو حتى اثارة نوع من الفضول. التقيت بها لأول مرة في بداية مسيرتي المهنية، في المدرسة الثانوية، كنت آنذاك مدرسا صغيرا في السنّ متخصصا في العلوم الاقتصادية والاجتماعية. دخلت هذه الزميلة، التي كانت في ذلك الوقت أكبر مني بقليل، إلى قاعة المدرسين وهي في حالة مزاجية سيئة للغاية. فمنذ عدة أسابيع، كانت تعدّ رحلة إلى المسرح لمتابعة دروسها. ففي مدرسة ريفية مثل مدرستنا، لم يكن هذا العمل مجرد عمل بسيط، كما أنه بالنسبة لكثير من الشباب في المناطق المحيطة بنا الذين نشأوا في أسَر بعيدة إلى حد ما عن مثل تلك الحوارات المسرحية، كانت اذن هذه فرصة فريدة من نوعها. يضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، الحصول على شهادة البكالوريا الفرنسية المرتقبة، التي يكون من متطلبات الحصول عليها دراسة المسرحيات، وهو ما جعل من هذه التجربة تمهيدا مهما من أجل التحضير للحصول على الشهادة. لكن المعلمة الشابة اضطرت إلى طلب مساهمة من الأسر من أجل تغطية المصاريف المستحقة. لا شيء يُذكر، فقط أربعة يورو. مساهمة بسيطة، هكذا كانت تعتقد. لكن مع ذلك، رفض عدد كبير من أولياء الأمور. وقالوا ان المبلغ كبير جدا ومبالغ فيه الى حد بعيد خاصة عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الأشياء…
حول ماكينة تحضير القهوة، اشتاط الجميع غضبا، بمن فيهم أنا. كيف يمكن اعتبار هذا المبلغ "كبيرا"؟ من الواضح أن لا أحد في قاعة المدرسين يجهل الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها طلابنا: عندما التحقت لأول مرة بالمدرسة الثانوية، رحب بي المدير كما كان يفعل مع جميع المدرسين "الجدد"، مشيرا إلى معدل البطالة في محيط البلدية التي تقع فيها المدرسة، الذي يزيد عن 30%، يُعتبر بلا أدنى شك أعلى من معدله في العديد من القرى في منطقة تجمع المدرسة. لكن في وقت سابق، احدى الزميلات حدثتني عن السوق الأسبوعي المقام في ساحة القرية، وهي تستحضر مشاهد للكاتب زولا. بالتأكيد لا يتعلق هذا الأمر بجميع الطلاب، فالبيئة الريفية تتمتع بقدر معين من التنوع الاجتماعي، ومع ذلك فقد كان من الواضح أن الحياة كانت صعبة والمال غير متوفر لجزء كبير من السكان. لكننا كنا نعتقد فعلا أن هذا الأمر يؤكد الحاجة الماسة الى موافقة المدرسة على السماح للطلاب بالالتحاق "بشيء آخر"، الا أن رفض الوالدين تقديم يد العون لنا في هذه المهمة وذلك ببذل الحد الأدنى من الجهد يبدو على أقل تقدير بمثابة إدانة لنا. وقالت زميلتي أن أحد الوالدين قال إنه لن يساهم في تغطية مصاريف المسرح، الأمر الذي أثار غضب زملائي.
ولكن لم يغضبنا فقط رفض الوالدان مساهمتهم المالية: بل ان ما أغضبنا، وربما هذا هو الأهم، هو ما فعلوه بهذه الأموال. اننا الآن، بصورة حتمية، مضطرون إلى عقد موازنة بين هذه اليوروهات الأربعة البائسة التي رفضوا انفاقها من أجل تثقيف أطفالهم وبين زوج أحذية رياضية ذات العلامة التجارية المعروفة التي يتباهى بها الأطفال في ساحة اللعب، أو ألعاب الفيديو التي أبقت تلامذتنا مستيقظين طوال الليل على حساب دراستهم، أو بالطبع الهواتف المحمولة التي لا فائدة منها نهائيا سوى الاخلال بدروسنا... هذه هي أوجه الانفاق الكثيرة المكلفة الى حد بعيد، حتى أن الوالدين الذين يزعمون أنهم هم الأشد فقرا لا يترددون في الاعراب عن موافقتهم عليها.
فبعض الطلاب يمتلكون بالفعل آخر صيحات ذلك الوقت في مجال التكنولوجيا، مثل هواتف آيفون الجديدة جدا التي أطلقتها شركة أبل للتو... والتي كانت تتميّز كثيرا عن أي هواتف يمكننا نحن المعلمون أن نمتلكها.
أحقا كانت هذه العائلات فقيرة جدا لدرجة جعلتها تتخذ مثل هذه الأحكام غير العقلانية الى حد بعيد؟ لماذا نندهش من الصعوبات التعليمية الكبيرة التي نواجهها في الفصول الدراسية إذا كان الوالدان يعلِّمان أبنائهم أن البذخ الاستهلاكي يعد أمرا مهما للغاية وأكثر قيمة من التقشف الثقافي؟ما الذي يمكننا أن نفعله إذا لم تقم العائلات بتعليم تلامذتنا حب العمل وفضيلة بذل الجهد ومقاومة التثبيط؟ وما الذي نستطيع أن نفعله إذا لم تتمكن العائلات من إدارة ميزانيتها بشكل صحيح؟
دقّ الجرس وعاد الجميع إلى فصولهم الدراسية، حاولوا بذل قصارى الجهد في التدريس، لكن الشيء المؤكد الذي قد يصل الى حد اليقين أن كل هؤلاء الأشخاص الفقراء لا يبذلون أي مجهود ولا يعرفون كيف يتعاملون مع المال، وفي حقيقة الأمر، انهم يستحقون ما هم فيه على أقل تقدير...
هذا المشهد، مثل نظيره السابق، لا يحمل أي جديد، لكنه يبدو من المشاهد الميؤوس منها بشكل كبير، التي قد تتكرر بلا أدنى شك في مناسبات عديدة وفي أماكن مختلفة ومع أطراف فاعلة أخرى. عندما انتهيت من تحرير هذا الكتاب، في نهاية صيف عام 2019، تكرّر هذا المشهد حتى على المستوى الوطني: عندما أثار بعض الكتاب الصحفيين الذين يظهرون بانتظام على القنوات الإخبارية التي تبثّ على مدار الساعة، جدالا استمر لعدة أيام تمحور حول الإعانة المادية المقدمة مع بداية السنة الدراسية، علما بأنه مبلغ بسيط يُدفع للعائلات الأكثر فقرا التي لديها أطفال في المرحلة المدرسية لتغطية النفقات التي تطلبها المدرسة كل عام. اذن، في حال البحث عن كيفية استخدام هذا المبلغ بتوتّر وعصبية، سيكون الفقراء مدانين بعدم "استخدام هذا المبلغ في شراء الدفاتر أو الأقلام"، بما أن هذا هو الغرض الرسمي المخصص له، وسيتم استعماله في أمور أخرى، سيئة للغاية، خاصة شراء الأجهزة المنزلية وأجهزة الوسائط المتعددة... وللحديث عن هذا الموضوع باستفاضة، فان سامية غالي -عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الاشتراكي الفرنسي أدانت هذا الوضع قائلة: "نحن الآن نُوزّع المال ولا نطلب شيئا في المقابل!" ماذا عن الحلول المُقترحة؟ مراقبة ما يفعله الفقراء بهذه الأموال. أم أن الأفضل، منحها لهم بشكل غير مباشر، بإعطائها للمدارس لشراء الأدوات المدرسية بدلا من تركها تتسرب إلى أيدي الوالدين المزعزعين غير الماهرين وغير الموثوق بهم.
أين تذهب أموال الفقراء اذن؟ الاجابة لا تشكل أهمية كبيرة أمام رأي منقسم على نفسه حول تلك المسألة، ففي وسائل الإعلام وفي عالم السياسية يقال اننا على استعداد لسحب الأموال من الأشخاص الأكثر هشاشة لأنهم قد يلجؤون الى شراء "ثلاجة أو تلفزيون بشاشة مسطحة"، دون أن يسأل أحد نفسه ولو للحظة واحدة لماذا تفعل بعض العائلات هذا الأمر. ان لدى الجميع رأي حول ما يجب على الفقراء أن يفعلوه بأموالهم. يعتقد كل الناس أنهم سيتصرفون يشكل أفضل لو أنهم حلوا محل الفقراء... وهكذا فالجميع مقتنعون بأن الفقراء يستحقون ما هم فيه على أقل تقدير – غير أن الرأي الصواب الى حد بعيد بخصوص هذا الأمر يتمثل في محاولة افهامهم كيفية إدارة مواردهم بشكل جيد، أو حتى إدارتنا لها بدلا عنهم.
إن أموال الفقراء تعتبر جزء لا يتجزأ من الموضوعات التي يتم طرح حلولا لها قبل معرفة مشاكلها. ان أحد أهداف هذا الكتاب هو وضع الأمور في نصابها: البدء في الإجابة بشكل جدي على السؤال "أين تذهب أموال الفقراء؟"، ومعرفة ما الذي يفعلونه بهذه الأموال ولماذا يفعلون هكذا. انطلاقا من هذا الأمر، سنتمكن من فهم معنى الفقر بشكل أفضل، وربما نحاول التصرف بطريقة أكثر ذكاء وأكثر فعالية.
من الحكاية إلى الاشتباه الشامل
من التنديد "بالرعاية الاجتماعية" إلى التنديد بالخدع الاجتماعية ومن "خلل في نظام الضمان الاجتماعي" إلى "الأموال الطائلة" التي يتم انفاقها على إعانات الضمان الاجتماعي، ومن المشردين الذين يعيشون في الشوارع إلى جحافل المهاجرين الذين يبدو أنهم على وشك سرقة الإعانات الاجتماعية والوظائف من الفرنسيين: هكذا تُعتبر قضايا الفقر والمال مصدرا لا ينضب للأوهام السياسية. وحيال هذه الأوضاع، فاننا نستدعي الصور والشخصيات والمواقف التي تبدو في الغالب غير مجدية في محاولة إثبات حقيقتها بصورة مسبقة. إن الدعوة إلى إصلاح الإعانة المادية المقدمة مع بداية السنة الدراسية تعتبر واحدة من بين الأمثلة الكثيرة المقترحة: ففي الوضع الحالي، لا يوجد ما يشير إلى أن هذه الاعانة يتم "إساءة استخدامها" على نطاق واسع أو حتى بشكل ملحوظ من قِبل المستفيدين منها. ولم يتم التوصل إلى أي تقرير أو تحقيق مطروح على أجندة وسائل الإعلام والسياسة بغرض الإشارة إلى وجود مشكلة تتطلب تدخلا عاجلا. لكن فيما يتعلق بهذه المسألة، فإن الحكي والاشتباه يعتبران كافيان الى حد بعيد، وبالتالي لم تعد هناك حاجة الى مزيد من تسليط الأضواء واثارة التعليقات الأكثر مصداقية ... علاوة على ذلك، فإن المعلم الذي يرى طالبا يصل إلى فصله بدون أدواته المدرسية سوف يفكر في كثير من الأحيان بشكل تلقائي في أن هذا الوضع يُعتبر علامة على استخفاف الوالدين بالأمر وليس نتيجة للفقر نفسه. وفي الواقع، سيكون لدى المعلم الفرصة الكاملة ليقول لنفسه إن هذا الاستخفاف هو الذي يسبب الفقر، وأن الفقر في نهاية المطاف ليس الا مجرد مؤشر على الأخطاء التي يقع فيها الوالدين وليس مشكلة في حد ذاتها.
.