ّالغد
أيها الغدّ المملوء صدره بالأسرار، الملثَّم بلثام الغيب، صُن سرّك في صدرك وأبق لثامك على وجهك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
أيها الغدّ، كأني بك تقرأ في صفحة وجهي ما غاب عنك من دخيلة أمري، ارم بطرفك حيث شئت من الناس، فلن تبصر الا باكيا يبكي فَقْدَ عزيزٍ عليه
أما أنت، يا من أطال الله في عمرك الى الغدّ، ألا تتفق معنا في أن الموت لم يعد واعظا لكثير من الناس، وأن مجالس العزاء لم تعد الا مظهرا من مظاهر التباهي والتفاخر بينهم، وأن ما يصاحب هذه المجالس من تصوير فوتوغرافي أو فيديو أصبح أمرا مستهجنا،
فاذا كان التباهي بالبذخ والاسراف في الأفراح أمرا مذموما، فهو في مجالس العزاء أكثر قبحا وأعظم جرما في حق من مات، وبما أن الميت لن يستفيد من هذه الأموال التي يتم اهدراها في مجالس العزاء بلا طائل، أفلا يكون من الأولى أن تُنفَق هذه الأموال في قضاء حوائج المتعففين من الناس وهم كثر.
نعوذ بالله أن نكون من الكاذبين في تعزية من فقَد عزيزا عليه، ولو أردنا أنفسنا على ذلك لما استطعنا، ذلك أن الله أراد أن يُتم قضاؤه في بعض خلقه ولا راد لقضائه، فكل شيء يجري بقضاء الله وقدره ووفق إرادته سبحانه، لا معقب لحكمه ولا غالب لأمره،
نسأل الله الرحمة والمغفرة لنا ولكم ولكل من فقد عزيزا عليه
(مقتبس بتصرف، الأعمال الكاملة، الأستاذ الأديب مصطفي لطفي المنفلوطي رحمه الله)